واصف جوهرية

81

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

أما خيمة كراكوز فهي عبارة عن شاشة بيضاء مشدودة برباط على طرفي زاوية من زوايا المقهى الظاهرة للعيان ومن خلفها يجلس الحاج محمود وأمامه رف خشبي وفوقه السراج كما أشرت للقاري عنه أعلاه فيظهر الخيال من خلف النور بألوانه الطبيعية للجمهور ، وبجانب الحاج محمود رجل يدعى عبد السلام الأقرع يضرب الرق ويغني بصوته قسما من توشيح عندما يبدأ الفصل فمثلا يغني " يا هلالا غاب عني واحتجب " ضرب [ نوته ] فينزل مثلا خيال كراكوز ويحاول الرقص على أنغامه . والأنكى من هذا أن الحاج محمود كان لا يترك النربيج للأركيلة من فمه طول ساعات عمله رغما عن كل ما ذكرت عن هذا الإجهاد في العمل ، وكان عندما ينتهي الفصل ويأخذ مدة ساعة تقريبا يطفي السراج بسرعة ويقفز راكضا رغما عن كبر سنة إلى مدخل المقهى الرئيس فيقف عند الباب يقبض من كل من المتفرجين عند تركهم المقهى " متليك " ولم يفلت منه أحد وهو يودع كل منهم بالمداعبة والنكات ويحكي كل منهم باللغة التي يفهمها . إن تمثيلية كراكوز المعروف بالفصل الأخير الخامس كانت تقام في مقهى واسع تعرف بمقهى علي زحيمان والعم أو زهدي وفي فصل الصيف كانت تقام على سطح هذا المقهى المسقوف بالحصر وهي ساحة فسيحة وبعد هذا المقهى اتخذ مقهى النابلسي مقابل باب العامود خارج السور ملك هندية يبدأ الفصل في منتصف الليل من ليالي رمضان وينتهي قرب ضربة مدفع المنبئ للصوم . في هذا الفصل أنني أذكر حقا تكون أكثر أدباء القدس موجودين أمثال الشيخ محمد الصالح ، الأستاذ نخلة زريق ، الحاج الشيخ علي الريماوي ، الأستاذ خليل السكاكيني ، الأستاذ إسعاف النشاشيبي وغيرهم وأما ليلة الأحد فيضم الفصل المسيحيين ومن خيار أعيان الطوائف . « 1 » أما التمثيليات فقد كانت في غاية من الروعة فكل تمثيلية تعرف بالفصل ولها معنى ومغزى خاص ينسجم وينطبق تماما لحياتنا الاجتماعية على مختلف ألوانها ، وقد انطبع في ذهني كثير من كلمات مأثورة أخذتها من فم العم الحاج محمود لم تزل تدور على ألسنتنا نحن أهل بيت المقدس وأصبحت مثلا بيننا نرددها في كثير من المناسبات ليومنا هذا . ثم كان يتخلل هذه الفصول من التمثيليات مقطوعات فكاهية تعرف بلغة كراكوز بالغرزة ففي هذه الغرزة يجعل المستمع والمشاهد إليها أن لا يستطيع أن يتماسك ويمسك نفسه وجسمه من شدة الضحك فكثيرا ما كنت وأصدقائي نقع من على كرسي المقهى البلدي الصغير على الأرض ولا نبالي لمن ينظر إلينا فهو أيضا كما قيل " كلنا في الهوى سوى . " وها أنا أدون للقارئ لمحة وجيزة بقدر المستطاع عن بعض الفصول والغرز من تمثيليات المرحوم الحاج محمود لأخذ فكرة وجيزة عن هذا الفن الذي أصبح ويا للأسف في دور النسيان : فصل الخشبات عند السمان ليعلم القارئ قبل الخوض في التمثيليات بأن شخصية كراكوز مهرج من أكبر نوع المهرجين والمضحكين وبذات الوقت تمشي عليه الحيلة فيأخذها بكل بساطة وبعد ما تنجلي عليه الحيلة أو المقلب كما يسمونها يأخذ ثأره بطريقة طريفة خليل السكاكيني . الصورة من العائلة والمصور غير معروف .

--> ( 1 ) الطريف هنا أن المؤلف أدرج أسماء اثنين من الأدباء المسيحيين مع الأدباء المسلمين وهما نخلة زريق وخليل السكاكيني .